جمال… حين نفهم الإيمان واليقين بالقلب قبل كتب العقيدة

في هذا المقطع لا يتكلم طفل في التاسعة، بل جيل كُتب عليه أن يكبر قبل أوانه. طفل استُشهد والده وهو في السادسة، في عمر لا يعرف فيه الإنسان معنى الفقد ولا يفهم كيف يمكن لوجهٍ أن يغيب إلى الأبد.
اليوم تجلس أمه، تلك الشابة الغزّية الراقية التي لم تصنعها الشهرة بل صنعها الصبر، تسأله أمام الكاميرا فيجيبها لا كطفل، بل كمن عاش ما يكفي ليؤمن، يعطينا درساً في العقيدة، يسألها: “هل الواحد ينفع يشوف الله في الجنة؟” فتقول نعم.
يسكت لحظة ثم يتكلم عن الصبر، وعن الإيمان، وعن الجزاء، وعن الجنة، كأن قلبه عبر من الدنيا قبل جسده. هذا الكلام ليس عابرًا ولا مدرسيًا ولا محفوظًا، بل كلام وُلد من وجع وتربّى على يد أم تزوّجت خير الرجال وأنجبت خير الأولاد.
في غزة، لا تسرق الحرب الطفولة فقط، بل تسرّع نضج الأرواح، وهذا الطفل لا يتكلم لغة عُمره ولا تفاهة عالمٍ آمن، بل لغة من عرف الفقد ثم اختار ألا يكره، بل أن يؤمن.
لا أدري هل الله أنطقه بهذا العمق أم أن الألم فتح له باب الحكمة، لكنّي أعرف شيئًا واحدًا: حين يتكلم أطفال غزة عن الجنة، فهم لا يحلمون، هم يبحثون عن الذين سبقوهم إليها.
هذه الأم هي ثمرة بيتٍ مسلم، واختيار رجلٍ اسمه أسامة الزبدة، وما أدراكم ما أسامة! ذلك الذي لم يختر الدنيا حين كانت صاغرة بين يديه، بل اختار الطريق الأصعب والأصدق، فكان هذا الطفل أحد ثمار ذلك الاختيار؛ مزيجًا نادرًا من الإيمان والكرامة والرقي.
لله درك يا جمال .. لله درك يا يسرى .. لله درك يا أسامة.



